الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
46
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الذكر ، ولم يكن قد تقدّم تعيين حظّ للأنثيين حتّى يقدّر به ، فعلم أنّ المراد تضعيف حظّ الذكر من الأولاد على حظّ الأنثى منهم ، وقد كان هذا المراد صالحا لأن يؤدّى بنحو : للأنثى نصف حظّ ذكر ، أو للأنثيين مثل حظّ ذكر ، إذ ليس المقصود إلّا بيان المضاعفة . ولكن قد أوثر هذا التعبير لنكتة لطيفة وهي الإيماء إلى أن حظّ الأنثى صار في اعتبار الشرع أهمّ من حظّ الذكر ، إذ كانت مهضومة الجانب عند أهل الجاهلية فصار الإسلام ينادي بحظّها في أول ما يقرع الأسماع قد علم أنّ قسمة المال تكون باعتبار عدد البنين والبنات . وقوله : فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ إلخ معاد الضمير هو لفظ الأولاد ، وهو جمع ولد فهو غير مؤنّث اللفظ ولا المدلول لأنّه صالح للمذكّر والمؤنث ، فلمّا كان ما صدقه هنا النساء خاصّة أعيد عليه الضمير بالتأنيث . ومعنى : فَوْقَ اثْنَتَيْنِ أكثر من اثنتين ، ومن معاني ( فَوْقَ ) الزيادة في العدد ، وأصل ذلك مجاز ، ثم شاع حتّى صار كالحقيقة ، والآية صريحة في أنّ الثلثين لا يعطيان إلّا للبنات الثلاث فصاعدا لأنّ تقسيم الأنصباء لا ينتقل فيه من مقدار إلى مقدار أزيد منه إلّا عند انتهاء من يستحقّ المقدار الأول . والوصف ب فَوْقَ اثْنَتَيْنِ يفيد مفهوما وهو أنّ البنتين لا تعطيان الثلثين ، وزاد فقال : وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ فبقي ميراث البنتين المنفردتين غير منصوص في الآية فألحقهما الجمهور بالثلاث لأنّهما أكثر من واحدة ، وأحسن ما وجّه به ذلك ما قاله القاضي إسماعيل بن إسحاق « إذا كانت البنت تأخذ مع أخيها إذا انفرد الثلث فأحرى أن تأخذ الثلث مع أختها » يعني أنّ كلّ واحدة من البنتين هي مقارنة لأختها الأخرى فلا يكون حظّها مع أخت أنثى أقلّ من حظّها مع أخ ذكر ، فإنّ الذكر أولى بتوفير نصيبه ، وقد تلقّفه المحقّقون من بعده ، وربما نسب لبعض الذين تلقّفوه . وعلّله ووجّهه آخرون : بأنّ اللّه جعل للأختين عند انفرادهما الثلثين فلا تكون البنتان أقلّ منهما . وقال ابن عباس : للبنتين النصف كالبنت الواحدة ، وكأنّه لم ير لتوريثهما أكثر من التشريك في النصف محملا في الآية ، ولو أريد ذلك لما قال فَوْقَ اثْنَتَيْنِ . ومنهم من جعل لفظ ( فَوْقَ ) زائدا ، ونظّره بقوله تعالى : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ [ الأنفال : 12 ] . وشتّان بين فوق التي مع أسماء العدد وفوق التي بمعنى مكان الفعل . قال ابن عطية : وقد أجمع الناس في الأمصار والأعصار على أنّ للبنتين الثلثين ، أي وهذا الإجماع مستند لسنّة عرفوها . وردّ القرطبي دعوى